Tuesday, July 22, 2014

الاسباب الحقيقية للحرب على غزة


فجاة ودون سابق انذار تشن اسرائيل حربا على قطاع غزة المحاصر. حربا بدون سقف و بدون اهداف محددة. حرب اختلط فيها الحابل بالنابل, حيث الهدف الواضح منها هو ان لا يفهم احد عنها اي شيء.

فالتهدئة الموقعة عام 2012 والتي غاب معظم ضامنيها (فمرسي في السجن وحمد القطري في منفاه الاختياري في الدوحة) لم تخرق بشكل من الاشكال من الجانب الفلسطيني. بل على العكس. ففي وجه الخروقات الاسرائيلية شبه اليومية للتهدئة وبالرغم من عدم تحقيق بنود تهدئة 2012 من حيث الانهاء التدريجي للحصار على غزة الا ان حماس حافظت وبكل دقة على عدم السماح باطلاق الصواريخ على الكيان. ولم تسجل في هذه الفترة اي عملية عسكرية انطلاقا من القطاع.

اذا فما الذي حدث وجعل الحرب تندلع وبهذه الصورة القوية؟

لنفهم الصورة كاملة دعوني اذكر بعض الحقائق الاقليمية.

حماس تعاني وبعد سقوط الاخواني محمد مرسي من حصار خانق وتجفيف لمنابع الدعم خصوصا بعد القطيعة مع ايران على خلفية اشتراك حماس في العنف في سوريا ومحاولة اسقاط الدولة السورية. هذا الحصار والضيقة المادية الهائلة التي اضطرت حماس للرضوخ للمصالحة مع سلطة ابي مازن وحل حكومة القطاع انتظارا لانتخابات جديدة. كما ان حماس تعاني من تاكل كبير في شعبيتها نتيجة اشتراكها في مؤامرة الربيع العربي وتدخلها الفاضح في شؤون اكثر من دولة (سوريا, مصر, ليبيا...)

ومصر تحاول الخروج من اكبر مؤامرة لتفتيتها بنشر الارهاب التكفيري (بمشاركة حماس في هذا الارهاب: بشكل مباشر وغير مباشر بالتحريض) وتسعى لاستعادة هيبتها ومكانتها الاقليمية والدولية.

وهناك مشروع شرق اوسط جديد يترنح تحقيقه على ابواب دمشق وبغداد وقوى ساعية لتدفيع الولايات المتحدة وحلفائها ثمن الدمار الذي نشرته في هذه المنطقة. هذا المشروع والذي سيعني سقوطه حكما بروز نظام عالمي جديد تتراجع اهمية امريكا فيه وتبرز قوى البريكس وحلفائها كقوة عظمى موازية.

لو وضعنا كل هذه الحقائق مع بعضها لبدانا نتلمس حقيقة ما يجري في غزة.

ففشل تحقيق مخطط الشرق الاوسط الجديد بفشل تدمير سوريا, يضع امريكا وحلفائها في مازق كبير. فمخطط الشرق الاوسط الجديد كان معتمدا على تدمير الشرق الاوسط باستخدام القوى التكفيرية المتطرفة ومن ضمنها الاخوان المسلمين ومن ضمنهم الفرع الفلسطيني حماس. وانهزام هذا المشروع سيعني ان هناك حوالي 100 الف ارهابي (نصفهم تقريبا ليس سوري ولا يمكن استيعابهم سوريا اذا القوا السلاح) قد يشكلوا خطرا على امن الدول الاوروبية اذا قرروا العودة الى بلدانهم (ومن ضمنها الولايات المتحدة).

لذلك كان لزاما على الولايات المتحدة ان تعمل على التخلص من هذا الخطر الارهابي باكثر من طريقة.

احدى هذه الطرق هي العمل على التخلص من العدد الاكبر من هؤلاء الارهابيين باقناعهم بتوسيع حربهم في المنطقة وانشاء الدولة الاسلامية الموعودة. وهذا ما حصل في العراق. وكذلك اعلان الحرب على السلطات اللبنانية والاردنية وحتى التركية.

اما الطريقة الثانية فهي الطلب من الدول الصديقة البدء بالتخلص من هؤلاء التكفيريين بالزج بهم في السجون او ملاحقتهم وقتلهم. ولهذا نرى السلطات اللبنانية تعتقل وتقتل في اسابيع معظم من دعمتهم بعض من الطبقة الحاكمة في لبنان وغضت الطرف عن اجرامهم لاكثر من نصف عقد من الزمان. وما اعتقال الارهابي حسام الصباغ, والذي كان يصول ويجول علنا في لبنان منذ عام 2007 دون مساءلة او خوف من اعتقال, الا دليلا على ان القرار صدر بضرورة التخلص من هذه الادوات المتطرفة
.
ولكن تدرك الادارة الامريكية واستراتيجييها ان فشل مشروع الشرق الاوسط الجديد وانهيار ادواته (من تكفيريين او مؤيديهم من عملاء امريكا) سيؤدي الى شرق اوسط جديد بلا قيادة قادرة على تحقيق مصالح امريكا.

ولذلك كانت الرؤية الامريكية (المتخبطة اصلا) تتلخص بالعمل على الالتفاف على نتائج انهيار مشروعها في المنطقة وذلك بالتخلص من العناصر التكفيرية المتطرفة المكروهة من شعوب المنطقة الى حد هائل. ولذلك سمحت امريكا بالتخلص من محمد مرسي وحكم المرشد التكفيري المدعوم من كل تكفيريي المنطقة. ثم جاء مشروع البدء التدريجي بتنظيف ليبيا من ارهابييها على يد خليفة حفتر ذو العلاقات الواسعة مع الاستخبارات الامريكية. والمشروع جار لتجميل الوضع التكفيري الشاذ في تونس.

عود الى موضوع غزة, فان امريكا ادركت ان انهيار صورة حماس في المنطقة نتيجة انغماسها في المشروع الامريكي سيؤدي حتما الى عودة الامور الى ما كانت عليه قبل مشروع الشرق الاوسط الجديد وما تمخض عن هذا المشروع من انجاز احداث شرخ كبير بين الطوائف المختلفة. هذا سيؤدي الى عودة محور المقاومة والممانعة السوري-الايراني-حزب الله الى تصدر المشهد المقاوم وامساكه بخيوط المنطقة المهمة.

ولذلك كان من الاهمية بمكان اعادة تلميع صورة حماس المهترئة لتتصدر المشهد وتمنع قوى المقاومة الحقيقية من السيطرة الكاملة على المنطقة المتلهفة للتخلص من المشروع التكفيري المدمر. هذا التلميع الذي قد يلجم قوى المقاومة عن الاستمرار بتهميش حماس واقصائها عن المحور وتجفيف منابع تمويلها واستمرارها.

لذلك كان من الاهمية بمكان ان تقوم اسرائيل بعمل ما يعيد شعبية حماس الى اوجها لتكون حجر العثرة الاخير لمنع سيطرة محور سوريا-ايران على المنطقة.

بل ان اسرائيل تقوم الان وخلال عدوانها على غزة بالترويج لحماس وتلميع صورتها بطريقة لا يمكن ابتلاعها بسهولة.
فاسرائيل تعلن وعلى لسان اكثر من مسؤول فيها ان حماس الان هي الخطر الاوحد على امن اسرائيل ووجودها. وصرح اكثر من مسؤول عسكري ان اي هزيمة لاسرائيل في هذه الحرب ستكون الاقسى والاخطر في تاريخ هذا الكيان.

الهدف واضح وهو استكمال ما بداته القوى التكفيرية (ومن ضمنها حماس) مع بداية الازمة في سوريا بمعاداة محور المقاومة والغمز من قناة ان ما يحدث في المنطقة هو حرب طائفية بين سنة مضطهدين من ايران وحلفائها الشيعة وان على كل سنة هذا الشرق الاتحاد ضد هلاله الشيعي.

كما ان تصريحات مسؤولي حماس خلال هذه الحرب واضحة في محاولة نفي اي مشاركة لايران وسوريا في التصدي لهذا العدوان بادعاءات كل مسؤولي حماس ان السلاح الثقيل بيد حماس هو صناعة محلية وليست ايرانية او سورية. بل ان المحسوبين على حماس يصرحون للاعلام صباحا ومساءا ان نصر غزة ياتي بعد القطيعة بين حماس وسوريا (ومعها ايران). فلا فضل لاي من هاتين الدولتين على تسليح وتدريب المقاومين الفلسطينيين. هذا الادعاء الذي فندته جملة وتفصيلا كل الفصائل الاخرى المقاتلة في غزة. فمسؤولي الجهاد يؤكدون ان كل صواريخ المقاومة مصدره ايران وسوريا.

المخطط واضح بمحاولة تلميع حماس لاخراجها مما تلوثت به من وحول الاخوان خلال فترة "الربيع" العربي المشؤومة وبالتالي محاولة منع ايران وسوريا العودة لتصدر القوى المعادية للغطرسة الامريكية-الاسرائيلية.

لو كانت حماس فعلا استيقظت من لوثة مشاركتها بالمؤامرة لقامت بمراجعة سياساتها والتراجع علنا عن هذه المواقف. سيعني ذلك اعفاء من اقنع حماس بالغوص في هذا المستنقع من مناصبهم واعلان التبرؤ من تلك المواقف, وعلى راسهم خالد مشعل واسماعيل هنية.

للاسف فان الشعب الفلسطيني يدفع الان دما ودمارا وجوعا من اجل مصالح حركة حماس. بل ان هذا الدم والدمار, ان لم ينتبه الشعب الفلسطيني ويحبط المخطط, قد يستخدم لابقاء حركة باعت مصالح شعوب المنطقة واوغلت في تامرها عليه.

امريكا واسرائيل وحماس يدركون جميعا اننا شعوب عاطفية. فبمجرد ان يسيل بعض الدم وتطلق بعض الصواريخ ويخطف جندي اسرائيلي, سنغرق في مشاعر فرحنا وننسى جرائم ارسال حماس لقطعانها لاجتياح مخيم اليرموك وحندرات وخان الشيح والتنسيق مع اسرائيل في الجولان السوري المحتل. بل وسننسى كل هذه الجرائم ونبدا بسب كل من يذكرنا بها ويحذرنا من المخطط القادم.

سؤال اخر يتبادر الى الذهن: ماذا حل بحكومة الوفاق الوطني وما مصير الانتخابات التشريعية والرئاسية؟ ولمصلحة من منع المصالحة والذهاب الى انتخابات عامة كل الدلائل كانت تشير الى ان الشعب الفلسطيني سيرفض نموذج حماس الظلامي في الحكم؟

هل من اهداف هذه الحرب رفع اسهم حماس وتمكينها من تكرار فوز 2006 الكاسح, بوجود طرف اخر ينسق امنيا وبشكل علني من الاحتلال وبالتالي استكمال مهمة تلميع حماس لصد اي محاولات لرسم شرق اوسط جديد معاد لامريكا ونموذجها التكفيري المتصالح مع اسرائيل؟

كل هذه التساؤلات مشروعة ومهمة قبل ان نستفيق على كابوس جديد تدخلنا اليه حماس بينما نحن ننشو بانتصار اطلاق بعض الصواريخ على الكيان وخطف احد جنوده. مع التاكيد بانني لست ضد اطلاق الصواريخ بما سيتخلله من خسائر نتيجة رد العدوالقاسي المتوقع, ان كان هذا الاطلاق سيؤدي الى نصر استراتيجي يحقق توازن رعب حقيقي يلجم اسرائيل عن مجرد التفكير في شن اي عدوان مستقبلي. اما ان يكون اطلاق الصواريخ واهدار الدم الفلسطيني وتفاقم معاناة اهل القطاع سيستخدم من اجل اجندات مراكز قوى داخل احد الفصائل لتحقيق اهداف متساوقة مع مخططات اعداء الامة لرسم شرق اوسط جديد واخراج الولايات المتحدة من ورطة الاعتراف بهزيمة مشاريعها وما سيترتب عليه من تنازلات مهمة, فان هذا يجب ان يكون مرفوضا وبشدة.

من كان يتوقع ان تكون حرب اكتوبر مقدمة لكامب دافيد واخراج مصر من موقعها القومي وتمزيق الامة باكملها؟

No comments: