Thursday, September 04, 2014

الوضع في الشرق الاوسط: نحو الانفجار ام التهدئة النهائية

يذهب الكثير من المراقبين على ان حرب تشرين المصرية لم تكن الا حربا تحريكية لتحقيق سلام مصري-اسرائيلي على المقاس الامريكي. ويذهب هؤلاء ان احد الاسباب خلف "اجبار" الادارة الامريكية للطلب من انور السادات شن حرب محدودة على اسرائيل هو التعنت الاسرائيلي الرافض لاي تنازلات "لجيرانها" بعد نشوة انتصار ال 67 والتخلص اخيرا من الزعيم جمال عبد الناصر واستبداله بالعميل انور السادات.

ويبدو ان القريحة الامريكية لابتكار حلول للمشاكل المستعصية التي يخلقوها محدودة جدا, فتلجا عند الاستعصاء للطرق القديمة, خاصة التي نجحت منها.

في الوضع الراهن في الشرق الاوسط فان الاستعصاء في الوصول الى حل للمسالة السورية ياتي من تعنت بعض القوى للاعتراف بالهزيمة على ابواب دمشق. وعلى راس هذه القوى تقف العربية السعودية.

فالعربية السعودية والتي استثمرت كافة طاقاتها من اجل تدمير النظام السوري, والذي يقف العثرة الاخيرة امام تسيد السعودية لزعامة المنطقة وحجر العثرة الاخير امام استسلام المنطقة بشكل كامل للكيان الغاصب, تدرك ان الاعتراف بالهزيمة سيكون له اثر مدمر على سمعتها ومكانتها الاقليمية. ولذلك فهي ماضية في قيادة الازمة الى النهاية وبكل الاساليب والطرق.

ولا نخفي سرا ان قلنا ان الادارة الامريكية ابدت مرونة في اكثر من مرحلة خلال الازمة, لتواجه بتعنت سعودي ومحاولات ناجحة لتفجير المرونة والعودة الى المربع الاول دون تحقيق اي تقدم. ومنها معارضة السعودية لعقد جنيف 2 ثم رشوة فرنسا وبريطانيا بصفقات سلاح ضخمة لمنع حضور ايران وحلفاء سوريا للمؤتمر والعمل على تفجير المؤتمر قبل انعقاده.

ولذلك اعتقد جازما ان التطورات الاخيرة في المنطقة جاءت من اجل اقناع السعودية للتنازل وقبول حلول وسط لتسوية الازمات في المنطقة. فطلبت الادارة الامريكية من داعش التمدد السريع للعراق من اجل تضخيم قوة وبطش التنظيم. ثم يوجه التنظيم تهديدات مباشرة للسعودية وحلفائها في الاردن بالاجتياح ومصير كمصير العراق وسوريا. والهجوم على لبنان كان من اجل تجريد حلفاء (او دمى) السعودية المستقبليين من قاعدتهم الشعبية لصالح داعش واخواتها لزيادة ارعاب السعودية بفقدانها لادواتها (او حلفاءها حسب التسمية الرسمية) وانكشاف ظهرها اللبناني.

ويبدو ان اعادة اللعبة التشرينية ستاتي اكلها. فالسعودية وافقت على الالتقاء بالايرانيين للتعاون بشان مكافحة داعش والتطرف وكان اللقاء ايجابيا حسب جميع المصادر. كما انها (اي السعودية) لم تقف بوجه التدخل الايراني والمليشيات "الشيعية" في المناطق "السنية" في العراق. كما ان حلفائها في لبنان انزلوا سقف مطالبهم كثيرا وهم مستعدون للتعاون ضد داعش واخواتها. كما ان السعودية دعت وعلى عجل مجموعة ما يسمى باصدقاء سوريا في الجامعة العربية لاجتماع عاجل دون دعوة المعارضة السورية او مطالب عالية بضرورة تنحي الرئيس الاسد او دعم عسكري للمعارضة المعتدلة (والتي اصبحت في خبر كان).

نعم هناك ضجيج عال في كل عواصم الشرق الاوسط ان داعش ستجتاح الاردن ولبنان والسعودية والكويت وتعيث فيها قتلا وذبحا وتدميرا للانظمة. ونعم هناك استنفار عال في كل هذه العواصم. ولكنني اتوقع ان كل هذا هو جزء من اللعبة الامريكية لاقناع السعودية وحلفائها من صقور المنطقة (اردوغان مثلا) على طريقة حرب تشرين التحريكية من اجل تامين سلالم لهذه الدول للنزول من على الاشجار العالية التي ارتقوها خلال الازمة.

الهزائم المتلاحقة لداعش في العراق وطردها في اقل من اسبوع من اكثر من نصف المناطق التي احتلتها خلال الاسابيع الماضية هو مؤشر على اكثر من حقيقة. فداعش قوة ليست خارقة لا يمكن هزيمتها. وبالتالي فان تهديد داعش باحتلال السعودية والاردن ولبنان والكويت وتركيا شيء لا يمكن تحقيق ولو جزء منه دون الضوء الاخضر الامريكي (غير الموجود اصلا).

يرى البعض ان تضخيم قوة داعش هو من اجل تقوية النفوذ الامريكي في المنطقة واعادة هذا النفوذ الذي خرج بالقوة من العراق ليعود اليها من شباك داعش. فحرب داعش ستؤدي (كما يقول البعض) الى انشاء قواعد امريكية ثابتة في المنطقة لاكمال حصار الحلف السوري-الروسي-الايراني.

ولكن هذا المنطق لا ياخذ بعين الاعتبار ان النفوذ الامريكي لم يتقلص يوما وهو موجود بقوة حتى داخل الجيش العراقي وفي الاحزاب الموجودة. كما ان لامريكا قواعد ثابته في كل المنطقة من كردستان الى تركيا مرورا بالاردن والسعودية والكويت والامارات وسلطنة عمان. اضافة لحاملات الطائرات المرابطة في الموانئ الخليجية.

ولا نشك ان لدى محور المقاومة معلومات استخباراتية عن خطط لتفجير المنطقة ومعلومات عن تنقل الاف الارهابيين بين الدول. ولكني اعتقد ان كل هذا هو جزء من عملية الخداع الكبرى التي تقودها امريكا, ومن ضمنها تمثيليات ذبح الصحفيين الامريكيين, لايهام العالم (وخصوصا السعودية) بقوة داعش وجبروته.

كان لزاما على الراعي الامريكي ان يثبت لجولدا مائير وحكومتها ان هناك دواع قوية لقبول تنازلات مع جارتها الكبرى, فجاءت بخدعة حرب تشرين المصرية والتي شكلت هاجسا لدى الاسرائيلي بامكانية زوال الكيان ان لم يقدم تنازلات. واليوم هناك داع لاقناع السعودية بضرورة التوافق مع الدول الاقليمية الكبرى, لان استمرار الازمة سيقوي داعش التي قد تشكل امكانية زوال كيان المملكة.

No comments: